Print this page

"لستُ بشرًا": أنا عواءٌ متبوعٌ بطَرَقاتٍ* إلى الشاعر آدم فتحي

 

للشاعر أوكتافيو باث جملة تقول

"يكفي للكاتب قارئ واحد محب، ومتفهم".

أعيد قراءة الجملة مرة تلو المرة، متسائلا ما الذي يجعل الظفر بقارئ محب ومتفهم جليلا إلى هذه الدرجة. وفجأة تبزغ في رأسي عبارة الحكيم أوشو: "الحبّ يأتي مع المجهول، يأتي كجزء من المجهول. يحتاج المرء إلى شجاعة هائلة ليتحرك في المجهول".

ومَن أفضل من آدم ليخبرنا عن المجهول؟ أتخيّل لحظة هبوطه إلى الأرض حائرًا، ذاهلاً، غريبًا. يمشي، فلا يسمع صوتًا عدا وقع أقدامه، وضربات قلبه وهو يدق بعنف بين ضلوعه، فيتلفّتُ خائفا.

ونظنّ أنه طُرد من الفردوس، فنكتشف لاحقا، أنّ فكرة الفردوس المفقود أجمل من الفردوس، لأنه لولا هبوطنا إلى الأرض، هل كنّا لنعرف نعمة النوم، وما أحبَّ هذه النعمة إلى قلبي؟ هل كنّا لنعرف رائحة الخبز، ومذاقَ صلصلة الفجل وطبقِ لحم الضأن المتبّل بالقرفة وإكليل الجبل؟ أو هل كنّا لنستمع إلى هطول المطر من وراء النافذة، ونحن ننصت لأغنية لا نفهم كلماتها، ومع ذلك نحسّ بأنّ شيئا يحدث لنا، وبأنها تؤثر في كياننا بكامله؟ ثم تاليًا، هل كنّا لنختبر لسعة الشجن حين ننظر إلى الشمس وهي تغربُ، مختنقين بغصّة من رأى في هذا الغروب فاجعة سقوطه في الزمن؟

من تلك الغصة وُلدت حاجة الإنسان إلى اللغة. ومن الرغبة في وصف تلك اللذائذ الفانية وُلدت حاجته إلى الشعر. ومن رغبته في مشاركة اللذائذ هذه، وُلدت فكرة الترجمة، بحيث تنتقل النصوص بين الثقافات، وبين القرّاء كما تنتقل أطباق الطعام من بيت إلى آخر، في احتفالية مفتوحة.

والآن، وقد بات بالإمكان تسمية المرئيّ والمجهول معا، أشعر بأنني مدين لآدم باكتشاف هذه النِعم. فكيف إذن لا أحبّه؟ ألم يقل أوشو إنّ الحبّ يأتي مع المجهول، فها هي كلماته تحمل ذلك المجهول، كما تحمل الريحُ لِقاح الزهرة الغامضة في الهواء عبر التلال والجبال الوعرة.

ولكن، من هو آدم؟ إنه أنا، وأنت، وأنتِ، وهوَ، وهيَ، وأنتما، وهما، وأنتم، وأنتنّ. إنه ذاتك البعيدة أيها القارئ وهي تأتيك على طبقٍ، من قبيل الشعر تارة، ومن قبيل الترجمة تارة أخرى، وقد تأتيك على شكل أغنية فتدمع عيناك، كما لو أنّ حنينًا لفردوس ضائع هاج في قلبك على حين غرّة.

لا أعرف إن كان من قبيل الصدفة أنّ ضيف آدم الأثير في لغته، وأتحدث هنا عن سيوران، لا يكفّ عن التفجع على مغادرة الفردوس، ناظمًا كلّ أعماله حول فكرة السقوط في الزمن. ويخطر لي أن أفكّر في صلة رئيس المتشائمين بآدم، فكأنه واحدٌ من أبنائه. ويطيب لي أن أتخيّل سيوران مقفلا على نفسه باب غرفته، سارحًا في أفكاره السوداوية، مطلقا من حين لآخر جُملة أو عبارة وهّاجة متبوعة بشتيمة أو لعنة أو ركلة على باب الغرفة، يصل صداها إلى آدم في الغرفة المجاورة، فيردّ بنقرةٍ على الجدار، مرددا بينه وبين نفسه: "هذا الشقيُّ يجب أن يُفهم".

ولوهلةٍ أبدأ في رؤية الترجمة، بل في رؤية الشعر، بل سائر الفنون، بوصفها حديثا بين شخصين من خلال النقر على الجدار الفاصل بينهما.

وماذا يكون الجدارُ؟ قد يكون اللغة. قد يكون الثقافةَ، أحكامَنا الشخصية، وساوسَنا وأفكارَنا. قد يكون هذا وغيرَه، وما لم يُخلق، بين من هم على الجانبيْن، تفاهمٌ سريٌّ، منطقيّ وروحيٌّ معًا، سيظلّ الجدار صامتًا. حتى لو كانت نقراتُهما بقوة ضربات مطرقة ثقيلة، فإنّ الجدار لن يتجاوب، بل سيزداد عنادًا، متمترسًا خلف طبيعته الحجريّة.

ما الذي يحوّل الجدار، من حجاب يفصل أحدَهما عن الآخر، إلى شريانِ رسائلَ تجري بينهما جريان الدم؟

يحتاج الأمر إلى كاتب حقيقيٍّ، وإلى قارئ محب. صحيحٌ أنّ النقرة لابدّ أن تُسمع اليوم أو غدَا، حتى لو كان هذا "الغدُ" قرنا كاملا. ولكنّ جوابًا يتلقاه الكاتبُ من قرّاء عصره على شكل طَرَقاتٍ قوية لفرط حماستها، لهو مُنية كلّ مبدع.

وعن نفسي، لا أذكر أني أمسكتُ كتابًا لآدم، كان شعرًا أو ترجمة، دون أن تهزّني عبارةٌ، أو تقتلعني شذرةٌ، أو يخترقني وميضُ كلمةٍ، فلا أتمالك عن إطلاق صيحةٍ، أو شتيمةٍ. وقد أغالي في حماسي فأعوي، وعندها أسمع النقرة. يكون ذلك أشبه بنظام تراسُلٍ، كما لو كنتُ على جانبٍ من الصفحة، وأشباحُ الكاتب على الجانب الآخر. وقد أحدّق في الكلمات والأسطُر، فأوشك أن أرى الأشباح التي خلفها وقد هيمن عليّ شعورٌ قويّ بأنها تبادلني النظر.

أربعون عامًا كاملة من التحديق في الكتب، إلى أن باتت الأشباحُ هي صلتي الوحيدة بالواقع. خذ مثلا، نافخ الزجاج الأعمى. لطول ما حدّقتُ فيه، ليلةَ بعد أخرى، لو أنني أصادفه في الخارج، لتعرَّف أحدُنا على الآخر بكلّ سهولةٍ. أو دون كيخوته دي لا مانشا. كم مرة، وقد غاليتُ في محاكاته، رافعًا صوتي، لكز الصفحة برُمحه، فكأنه لكزني في خاصرتي. أو سوزانا سان خوان، المرأة المجنونة في رواية بيدرو بارامو.في كل مرة أفتح فيها الكتابأنادي عليها "سوزانااااا". أظل أنادي إلى أن يرتسم وجهها وراء الصفحة مضبّبًا كأنه رؤيا. وعندهاأقرّب فمي من الكتاب وأهمس لها: "يا أمّي". ولا أكادأفعل حتى أشعر بأنفاسها على وجهي وهي تجاهد للمناداة عليّ "يا ولدي"، دون أن تكفّ عن التحديق فيّ بعينيْن مجنونتين.

لا أفهم كيف تحدث هذه "المعجزات الصغيرة"، ولا يهمّني كثيرًا أن أفهم. فالمهمّ هو الإيمان لا الفهمُ، بالنسبة لي على الأقل. إنّ إيماني بالكلمات يضارع إيمان الموحّد. لذلك يخطر لي أنّ هذه الأصوات والمشاهدات التي تحدث لي، أشبه ما تكون بتلك الرؤى التي يرسلها الرب لعبده مكافأة له على اخلاصه.

أقف في هذه اللحظة أمام مكتبتي. أنظر إلى رفوفها المرصوصة، ماسحًا بعنيّ تلك الكتب التي جمعتها بحبّ، والتي عويتُ بكلماتها وأنا أدور حول نفسي دائخا. أنظر إلى كلّ تلك الرفوف، ويخطر لي أنّ من حقي أن أعرّف نفسي على هذا النحو: "لستُ بشرًا. أنا عواءٌ متبوع بطرَقاتٍ".لقد تغذّيتُ بالكلمات، وإن كان ليسبلا مقابل، فقد تغذت بي هي أيضا. ما من كلمة لامست قلبي إلاّ وسدّدتُ ثمنها على الفور. لقد سدّدتُأثمان الكلمات من لحمي مباشرة، ولكنّ عزائي أنني لم أُراكم دُيونًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*"لستُ بشرا. أنا عواءٌ متبوع بطرَقات"هو عنوانُ الورقة التي قُدّمت في إطار تظاهرة "التعدد النصي في تجربة آدم فتحي الإبداعية"، والتي انتظمت بالمكتبة الجهوية بصفاقس يوم 09 ماي 2026. تندرج هذه التظاهرة ضمن سلسلة لقاءات أدبية يشرف على برمجتها وتنظيمها نادي صيدلية الكتابة بدار الشباب ساقية الزيت.

بقلم:  زياد عبد القادر (شاعر وكاتب)

المشاركة في هذا المقال